صدوعٌ بيضاء ..

استيقظت في صباح الأربعاء، وكعادتي كل يوم : خالي الرأس إلا من الأرق الوفي لي منذ سنتين الان، اتجهت لغسل وجهي وحين هممت، ورشقت الرشقة الأولى رفعت رأسى إلى المرآة بكل درامية و بطئٍ مسرحي من دون قصد وكأني أستعد لنقطة التحول في شخصية الرواية إذ لمعت في جانب رأسي، شعرةٌ بيضاء، كانت الأولى، ملتوية وسميكة كأنها برقُ شتاءٍ لمع في سماء شعري الذي طال ظلامه. أكانت هذه بداية العاصفة؟ عاصفة الثلاثين؟ وعمر العطاء، وشباب الرجل! أم أنها إشارة؟.

 

ظل الماء المتدفق من الصنبور ينسكب طويلاً، وقطراته المرشوقة على وجهي بدأت تجف، حدقنا أنا وهي في بعضنا البعض، مكثت أراها ولم تختفي كعادةِ البروق! بل بقيت، بدت أكثر تعرجاً منها حين لمحتها، يا إلهي ! هناك شعرةٌ أخرى بجوارها، هي لم تعد لمعات البرق، أو ومضات السنين، إنها صدوع في سد العمر الذي بنيت فيه ٣٠ عاماً بصدعين.. 

 

لا أصدق أن ٢٠ سنةً مضت على لعبنا الكرة في باحة الحي ! ذلك اليوم الذي عاقبنا فيه إمام المسجد يوم أن دخلناه نجري وأربكنا المصلين. كيف انقضت كل هذه السنين من دون تلك السندويشات اللذيذة التي كانت تعدها أمي لي وأنا لم أنتبه! لقد تسربت من بين يدي من دون إحساس كذلك الماء حين راعني بياض شعري. ظللت أفكر يومي كله في كل الأصدقاء الذين رحلوا من الدنيا، و في الذين رحلوا من دياري إلى غيرها، أين هم الآن؟ لقد أسسنا مشاريع وحررنا شعوب وأقمنا العدل في أحاديثنا قبل العشاء. ألم يحن الوقت لتنفيذ تلك المشاريع على الأقل؟ ، أين ذهب كل ذلك الشغف؟ أين ذهبت كل تلك العزيمة وأنا الآن أسير مثقلاً على فتات ذلك الشغف.

 

ارتديت ملابس العمل، معطفي الأبيض الذي بقي من تلك الطفولة، حملت رغبته معي من ٢٥ سنة ولا زلت أحملها وسأحملها حتى ينوء بي الحِمْل. استغرقت في الذكريات ولم أعد محيطاً بما حولي، بدأت أحتسي كوبي من القهوة الفاخرة وأتذكر تلك القهوة الرديئة سريعة التحضير قبل عقدٍ من الزمان، تلك كانت ألذ! يرافق القهوة قطعةُ حلوى صغيرةَ يقال بأن صانعها مات إثر إتقانها، لكن حلوى النظارتين السامة القديمة ألذ. ما بالي أجحد نعمة الله، ألشعرتين أنكرت زحام النعم الذي يتاخم يومي؟ ما بالي ضيق البال عكر المزاج، إنها شعرتين يا رجل! وكنت أقول هذا حتى نمت. شعرتين شعرتين.

 

إن الحياة كما تتسرب بسلاسةٍ بين أيدينا، تتسرب ملذاتها إلى أرواحنا لتسلبنا المتع البسيطة في سبيل بحثنا عن الأفضل، وتقودنا إلى حالة لهث مستمر بلا وعي، سباقٌ متسارع لا نشعر به يودي بنا طواعيةً وبكل خفية إلى الفراغ والعدمية. فلا الطعام يكون بذات المذاق رغم جودته، ولا القراءة بذات المتعة على إبداعها، ولا الأحاديث مع الأصدقاء بذات الشغف والأنس، فهم كذلك تسمموا مثلنا، وأصبحنا نعوم في بحرٍ من ظلمات الضيق ، لا نعلم لماذا، ولا ندري لما نرى الدنيا زائلة والقيامة قائمة، وننسى أنه مرت أيام كان فيه الصحابة خارجين عن القانون، وكانت الكعبة ترجم بالمجانيق ليس من أحفاد أبرهه ولكن من أبناء الصحابة والتابعين. قتل ٤٠ مليون إنسان في الحرب العالمية، ومات في الطواعين التي عصفت في العالم ملايين أخرى، ولكن كما قال سلفر في جزيرة الكنز : وتستمر الحياة.. واستمرت لتصلنا.

 

لست أدعوك إلى الإيجابية، فهذا أمر جيد، لكني لست من أهله، أدعوك إلى أن ترى النور من صدوع الثلاثين؛ من تلك الشعرات البيضاء، أن تراها بروق خيرٍ على أرض خصبة اقترب نباتها، عقد العطاء يفتح ذراعيه لك الآن. أدعوك بأن ترحل من ماضيك وتقدم إلى حاضرك، أن تعيش حياتك اليوم وأن تعي عقلك، وتعي انزلاقاته إلى الكدر. انظر إليه يدعوك إلى المزيد من اللهث لتجني مزيداً من اللذة الوقتية، متناسياً ما تنعم به هذه اللحظة. عزيزي، القهوة اليوم مبتكرة وطازجة، والحلوى طبيعية وفاخرة، والسندويشات جيدة لكنها ليست كما كانت تعد أمي ..

 

اللذة هي ما تحس بها وزائلة ، والشعور هو ما تقرره حيالها ..تلك الشعرتين البيض إما بروق خيرٍ، أو صدوع سد .. 

—————————-

شكراً مجددا لانتظارك وقرائتك .. ماجد

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.