ليلة رحيل الكبار

قافلاً من اجتماعنا الأسبوعي، والمطر يهطل بغزارة و بإيقاع متسارع مضطرب، وكأنه يمهد لي من صنيع الدنيا جللا، ويخلط لي كأساً كان مزاجها مريرا، اهتز هاتفي مؤذناً بوصول رسالة واحدة عبر مجموعة الدردشة لزملائي في القسم، وماهي إلا دقيقتين حتى أصبح هاتفي مجنوناً، يرن ويرن ويهتز بشكل متتابع، خلته خللاً ما، أو رسائل محولة ، استمرت موجات الاشعارات تأتي تباعاً. قلقت، و توقفت على جانب الطريق لأرى ما يحدث، لتكون أول رسالةً أقرؤها هي : وفاة الدكتور عبدالله. صعقت وأصبحت تلك الحروف التي نقلت الرسالة سكاكيناً منفردة تشق طريقها عبر عيني وصدري نحو روحي ممزقة ما كان في طريقها من حب لهذا الرجل بلا هوادة. رسالةٌ قصيرة في النص عظيمة في الخطب، ثقيلة على القلب.

 

تركت الجوال جانباً ونظرت أمامي، ثم أكملت طريقي. وقع الخبر رغم حتميته الطبية التى تأكدت لنا قبيل ساعات كان موجعاً وكأن جلمود امرؤ القيس حطه السيل عَلَيّ. لم تكن تلك المعلومة قد هيأتني للخبر. لم أعتقد أن الموت سيطاله، لم أعتقد أن الأيام ستضربنا في المستشفى مرةً أخرى، لم أعتقد أن أضيف بعد اسمه : رحمه الله.

لقد هاتفته فور إصابته بالفيروس ، وكان يتحدث معي ببشاشته المسموعة، نعم كانت بشاشة الدكتور عبدالله عابرةً للفضاءات، إن لم ترها أمامك، لن تحبسها سماعة الهاتف، وإن لم تشعر بها في المكالمة فلن تخطئها في رسائله المكتوبة، رجل لن تراه إلا مبتسماً. 

كان ليلتها يطمئنني بأنها لا تعدو عن كونها نوبات ارتفاع في درجة الحرارة وكحة متقطعة بسيطة، لا شيئ مقلق. لكن يومها كان قلبي لا يزال دامياً من وفاة أستاذنا الآخر.. لم أطمئن، ولولا الاحترازات لزرته مراراً وتكراراً، مرت خمسة أيام بسرعة وإذا به يرقد في العناية المركزة على جهاز التنفس الصناعي، من تلك اللحظة بدأت ألهج بالدعاء ليل نهار عل الله يلبي لي مطلبي بأن ينجيه. مرت عشرة أيام أخرى، لتأتي الرسالة، وإشعاراتٍ متتابعة كقرع أجراسٍ في مدنٌ قديمة تؤذن بوفاة كبيرٍ فيها. 

 

لقائي الأول فيه، كان في نشاط تعليمي في المستشفى في بيئة لم أكن أحبها بتاتاً، وكنت متوتراً، ليبادرني قبل السؤال بطلب الهدوء والاسترخاء وأننا كلنا هنا نأتي لنتعلم مهما أمضينا من الوقت، وبرهن لي أنه مؤخراً تعلم شيئاً جديدا رغم خبرته الطويلة.

أخبرني يا من تقرأ، لماذا قرر تطميني و تهدئتي حينما كان خيار البقية هو النقد اللاذع ؟ لأنه رجل كريم الأخلاق. وحينما عملت معه في قسم طب الكلى مرةً طلب مني بتلطف المحتاج أن أقوم بعملي ! لم يكن يطلب مني معروفاً لا والله، بل طلب مني متابعة المرضى حتى وقت ليس بمتأخر بعد العمل، وهذا صلب عملي، فعل هذا لأنه رجل جم التواضع. لم يلقاني إلا مبتسماً، ولم يحدثني إلا برقة وأدب، ولم أقف معه وقوفاً واحداً إلا كان معلما لي في جديد في التخصص أو في الحياة. 

 

إنه حينما يموت العالم تنثلم الأمة، وينثلم العلم، ،وتنثلم قلوبنا، فإن كان مصير الألم السلوى والحادثة النسيان، فإن الذاكرة لا تزال زاخرةً بالكثير من الأسى لرحيل الأحبة، ولا يزال العلم يأسى لرحيل رجاله، من لم يدعوه يوماً ما، وكأنهم فرسانٌ نبلاء في مملكة مجيدة، عاهدوا أنفسهم أن لا يبرحوه إلا شهداء. وكذلك كان أبو مصعب، فحتى ليلة إصابته كان يوجه فريقه بمتابعة حالاته، ويعيد توجيه رعاية مرضاه لزملاءه .. رجلٌ لم يبرح مملكته إلا شهيداً، حارب فيها ومات دفاعاً عنها.

أستاذي الغالي، وأخي الكبير، و والدي القدير، أعذرني، فلن أحضر دفنك، فإني لا أجرؤ على أن أحثو التراب على قبرك، ولا أطيق أن أرى أحد يفعلها،  كيف لا وأنت حتى حينما رحلت أبت طيبةُ نفسك وكرمك إلا أن تقسم كيانك بين السماء والأرض، روحٌ إلى بارئها وجسدٌ إلى أرضه.

في ليلة رحيل الكبار تقف حروفنا العربية عن البوح بما في الخاطر لذلك الرجل، ليس لعجز فيها إنما إجلالاً له.

إني وإن أفنيت أوراقي كتابة وأقلامي خطاً ما جمعت لكم عظم هذا الرجل..

رحم الله أبا مصعب ..

 

شكراً لقراءتك .. ماجد 

دُونت بحرقة في مساء التاسع عشر من شهر ربيع الأول للعام ١٤٤٢هـ

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.