وعينا وادراكنا في هذه الحياة متدرج ومتسارع، نصرخ صرختنا الأولى لكننا لا نذكرها و نتقدم في السن و يكبر فينا إدراكنا ألما ألما، ألم الضرب وألم التوبيخ و ألم الفشل وقد يمر بنا ألم العاطفة في الروضة وقد لايمر. تتزاحم الآلام في حصصها على قلبك، تتنافس في شدة آذاها. فيوماً تطرد من عملك، ويوماً تُهانْ لخطأٍ فادح ارتكبته ويوماً تخسر مالك كله. لكن الوقت يبدأ بتشكيل مقدساتك القلبية وثوابتك العاطفية التي تؤمن أنها لن تهتز، فصديقك ياسر لن يموت وخالد لن يخون وأمي لن تخرف وبيتنا سنبقى فيه إلى الأبد، فكيف نهجر ذكرياتنا !. ثم يأتي ذات الشيئ الذي آتاك هذه الثوابت يفتك بها الواحد تلو الآخر و يطأها بقدمه الثقيلة، فإذا ياسر يموت فجأةً بعد آخر يومٍ في الجامعة ، وخالد لم يخون لكن أحمد غدر بك وأمك لم تخرف لكنها مريضة فاقدة الوعي وبيتكم تركتوه لبيت آخر أحدث وتركت فيه ذكرياتك، فما حاجةُ رجلٍ بالغ بفناءٍ فارغ كان يلعب فيه أو أرجوحة قديمة نصبها جده بين النخلتين، أو هكذا ظن الرجل أو هكذا ظن الطفل..

 

إن للوقت سطوة وقوة لا تشعر بها، فقوته في هدوءه، في مروره شبه الساكن الذي لا تشعر به، حتى إذا تمكنت عقارب ساعته الضخمة من تلك الصورة الجميلة مزقتها بسرعة ومن دون هوادة و افترستها كما الأسود الجائعة، وأسدلت ستاراً كئيباً من الغبار على ذاك الغروب الجميل كيوم صيفٍ عاصف في صحاري نجد الملتهبة. لكم ظننا مراتٍ ومرات أنه من غير الممكن لهذه الأمور أن تحدث وأننا استثناءٌ في هذه القاعدة العامة للحياة، وكم سخرت أنا بنفسي مما يقوله لي كبار السن عن تغير الزمان والتفافاته المفاجأة ولكم مكثت اتهمهم بالدراما المتكلفة. لكن الوقت تمكن مني و أبكاني بقدر ما كنت أضحك منهم، بكيت يوم غادرنا منزل الطفولة، بعد أن حملت آخر صندوق من أثاث منزلنا بعد أن التفت ورأيت الدار خاوية من الحياة ومن جدتي ومن جدي ومن العابي البسيطة، خاوية من كل شيء ثم انهرت منتحباً. لم يبكيني الرحيل بقدر انتهاك المقدس، بقدر ما آمنت أن البيت هو آخر شيء يمكن أن ينتهك، و أن الذكريات آخر ما يهجر.. لم ننسى ذلك المشهد حين انتهك الوقت ذات قداسة الحياة التي منحها لأخ الزير سالم حتى أنه ضج صارخاً : كيف استطاع الموت كليباً ؟؟

 

أنا في منتصف العشرينات وعشت تجارباً ليست كافية، لكنها علمتني أن لاشيء مقدس في هذه الحياة، سيأتي يوم وينتهكه من قدسه لك، عليك فقط أن تنتظر. لن يبقون بجانبك كثيراً فقطاع الطريق كثر سيخطفونهم منك لذلك لا تتعلق كثيراً. فهذا سيخطف منك بحبائل ورديةٍ مزواجاً عاشقاً، وهذا يبتعد عنك منهمكاً في عمله طالباً للعلم، وهذا يغادرك إلى عالمٍ آخر لاتصله؛ عالم الموتى، وبيتك ستهجره وألعابك ستشتري غيرها.

 

لا تتعلق كثيراً فألم الفقد بقدر التعلق. الوقت لن يرحمك أبداً، تعايش معه ..

 

شكراً لقرائتك .. ماجد