تماسك .. قاوم

في البداية آسف ..

لكل من يشرفني ويقرأ دوماً، أعتذر عن انقطاعي يا صديقي وصديقتي.

مضى الآن قرابة العام منذ آخر تدوينة نشرتها، والسبب في هذا أني كنت منشغلاً حتى حدود الهلاك في عملي ودراسة التخصص، بل هي كانت معركة إن صح التعبير، لكنها كانت سنة تعدل عشراً مما مضى ..

بدأتها قلقاً ومرتاباً مما سيحيق بي من ساعات عملٍ طويلة و ورديات منهكة، وجهل مبتدئين وركاكتهم . انطلقت السنة التدريبية بعنف وامطرتني بوابلٍ تمناه بدوٌ فرواهم ثم أغرقهم؛ الكثير من المسؤوليات تهاوت على رأسي، سقطت فيها كثيراً وراودتني فكرة الانسحاب أكثر مما أعد تحت ذريعة أن الحياة أقصر من هذا الألم الذي قد يأتيك على هيئة سؤال من مريض قلقٍ متأمل فيك، تهز رأسك محاولاً أن تجيب بأسلم طريقةٍ لكرامتك ومن دون تضليل: نخليها للاستشاري يقرر، ما وصلنا أي تشخيص دقيق، وأنت في حقيقة الأمر لا تعلم شيء فلست إلا مبتدئ؟. أو تلك الاهانات المنمقة في الاجتماع الصباحي للقسم الذي يلي الوردية وحرج الجهل وعار الخطأ والتقصير الذي قد يلحقك حتى نهاية التدريب!. ضف على هذا أن التخصص لم يكن رغبتي الأولى؛الجراحة كانت هي رغبتي الأولى. فكل أصدقائي هناك وكل من يكبروني ومن عملت معهم أثناء الدراسة هناك، كان رعبي هو لقاؤهم ومحاولة شرح الأسباب المؤدية إلى هذه الانتكاسة ( في نظري حينها). فمرةً أقول ظروفي الاسرية لا تتناسب مع بيئة التخصص، ومرةً ألوم اللجنة المسؤولة عن الترشيح أنها غير منصفة، كما تعلمون نحن البشر مستعدين لأن نلوم نملةً سوداء ليومنا المشؤوم، ولم أعترف ولو لمرة أنني لم أستعد بما يضمن المقعد في التخصص المرغوب، وأنا ممتن لكسلي في هذه المرة.

كنت أشعر بنار تحرق جوفي، وتمزق كبريائي ونفسي في كل يوم أسير فيه عبر جدران ذلك القسم. رمح من نار يشق صدري يُرمى من فم أحدهم حينما يقول : ما كنت تبي جراحة؟؟ وش وداك باطنة! . دورٌ بارع قمت بتمثيله في البداية على كل الزملاء في القسم، فكنت أجيد الحديث أمام الجمهور بلغة متمكنة و صياغة متقنة، أعرف كيف أجيب الرؤساء من دون أن أجيب فعلاً، لكنها شخصية واهنة تنطوي وتتكرمش مثل بيت العنكبوت عند أول تنهيدة لا تشي فقط بل تفضح كرهي لحالي ومكاني.

مضت الأيام وحلت معاناتي لعنتنا ونعمتنا نحن البشر؛ التعود، فإننا نعتاد النعم وكذلك الألم.

جاور هذه الضغوط مشاكل شخصية من خارج العمل زادت الحمل مرتين وثلاث، فلم أجد أشياءً أشد صلة ببعضها  من المصائب إذ هي لا تأتي فرادى. كنت أشعر بروحي وكأنها تتسرب من جسدي، جزءٌ منها يحوم فوق رأسي لا يدري لما خرج مني، وجزءٌ متعب لا يدري لما يحبس ليتعذب، ليعلن بهذا مرحلة العيش الجديدة: تماسك ..!

اقتربت الامتحانات السنوية وازداد كرهي لحالي فأصبحت مقاتلاً في حربٍ لا أعلم لما قامت، و مدافعاً عن أرضٍ لا أطيقها. ازداد ألمي ألم وأنا أرى الزملاء قد تطوروا وتجاوزوا عقدة المبتدئين بإدارة الحالات والتمكن منها، وحتى في المناقشات العلمية، بينما أنا لا زلت متماسك فقط ومتفادياً لمواضع الحرج، فهذا ليس ماجد الذي أعرفه !

في الحقيقة لم أتوقف لمحاسبة نفسي و اتخاذ قرار صارم ولو متأخر حيال أمري، بل استمريت في هذه المعركة وقاتلت. قرأت وتعلمت ، وبدأت أفهم ما يجري حولي، بدأت أفهم كل الإجراءات الغريبة التي مررت بها، بدأت أصبح أكثر ثقة، بدأت لا أتفادى الحالات بل أبحث عنها. لم تعد تهديداً كما كانت بل أصبحت مادة علمية دسمة ،أصبحت أناقش الاستشاريين في أشياء قرأتها أو وجهونا بها. لا أعلم ما حدث ولا أعلم سر ذلك الاستبسال في المعركة التي حتى تلك اللحظة لا أفهمها، لربما خوفي من عار الفشل أو الانهزام؟ لا أدري!

رسبت في الامتحان الاول وتبددت تلك اللذة البسيطة التي حظيت بها وعاد السواد صِبغةً لروحي مرةً أخرى وازداد التسرب وتأكدت حقيقة نشازي في هذا المكان: أنا لا أنتمي هنا، القضية خاسرة والحرب محسومة، أنا لست إلا حطباً في جهنم الباطنة.

للأمانة  لم أكن الراسب الوحيد، نهضت بكل وهن أنا ومن معي، نتعكز بما بقي من كرامتنا الضائعة ونقتات على فتات عزيمتنا المبددة. هنا وفي هذه الأثناء باغتتني الأقدار وكأن الحرب المبهمة والهزيمة النكراء وعبء المعركة القادمة لا تكفي، لقد تأكدت أنباء انتقال أسرتي ووالدتي الحبيبة التي لم أبرح ناظرها ولم تبرح ناظري منذ أن أبصرت النور. لن أراها كل صباح، ولن نتجادل بحب كعادتنا حيال حظي العاثر، تلك السيدة العظيمة، تأكد نبأ انتقالهم إلى مكان آخر لغرض العمل وتأكد أمامي أمر أخير : أنت تحارب لوحدك .. اسلم بنفسك.

  • انهض تباً لك ..
  • قاوم ولن تسقط ..

ردودٌ قاسية جميلة من أصدقاء عظماء حينما أخبرتهم بنبأ رسوبي ورحيل أهلي دفعةً واحدة، وأني أشعر بالإنهيار كالقلاع العتيدة التي فجأةً تسقط ومن دون سابق إنذار.. لحسن الحظ أني سمعتهم وقاومت .. نجحت في الاختبار الثاني  بتمكن، وعملت مع أسرتي على تيسير سبل الراحة لهم في مكانهم الجديد هناك بعيداً بين الجبال في الجنوب بكل تسامح وبكل نضج.. ودموع الطفل البعيد عن أمه تخط وجهي.

أكتب لكم الآن راضياً، و متفائلاً بواقعية ومستعداً للقادم. أحببت تخصصي بالمناسبة ولو استطعت العودة لرغبتي الأول فلن أفعل،

فأنا فخور بمكاني وتخصصي الآن .. أسرتي مرتاحة بمكانها الجديد و أزورهم بشكل دوري ..

أصبحت أؤمن أن الحياة حربٌ خاسرة مكسبك الوحيد فيها هو أن تموت بشرف فقط .. شرف السيرة الحافلة والإرث المثمر.

حينما تشعر أن روحك ثُقبت وأنك لا تقوى القتال: انهض وتماسك، تنفس .. ثم قاوم حتى مشارف النصر ،أو مت مقاوماً، فلا نصر في حرب الحياة.

شكراً لقراءتك .. ماجد

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.