عقيدة الليل

يتحرك عقرب الساعة بكل ثقل نحو الأعلى، ليجثم بثقله على هامة الساعة المعلقة من سنين، وقد علاها الغبار وكأنه ضريبة رفعتها بين أثاث الدار، يشير إلى الثانية عشرة صباحاً، ويستقيم أمام ناظري ويملأني بقليل من الطمأنينة والانتظام، حالي واضطرابي قبل ذلك كان كالمصلين إذ قاموا وتأخر إمامهم، ولم يكبر، وظنوه يحتضر، وعلقوا آمالهم بأن يشهدوا قصة من قصص حسن الخاتمة المشهورة، بيد أني لم أظنه يحتضر، ولكنه كعادته يتباطأ حتى ينتصف الليل، ثم يهوي منحدراً ، كصخرة ألقاها صبيٌ عابث من ظهر تلة، تتسارع حتى ترتطم بالأرض، ويضج المكان، ويعجبه الصوت ويعيد الكرة مرة أخرى، و هكذا عقرب ساعتي في كل يوم ، يهوي مسرعاً متسارعاً سارقاً مني ما تيسر من ساعات عمري، لا أشعر بها، لكني أسعد بقضائها مختلياً بذاتي، وأفكاري، بهمومي.

حين ينام الناس يصبح الليل مغوياً للأحاديث والسمر، هدوءه مهيب وكأنك في بلاط سلطانٍ حازم، حسن السمت مهيب المطلع، وسماءه ونجومها كسيدةٍ حسناء يتلألأ صدرها بالجواهر، تدعوك إلى الحديث تارة، و ترجو منك الصمت تارةً أخرى، خشية افتضاح سترها الفاتن، فهي لم تعتد الحديث كثيراً، حديثها عذب وصمتها فتنة.  فمن لم يختلي بنفسه وأفكاره، تلك التي يقلبها يمنةً ويسرة، وكأنه يبحث عن فيلم السهرة ، يراكمها، يراكبها، ويفردها على مد النظر، ويلتقط منها فكرةً يقلبها أو هماً يلوجه في خاطره حتى الصباح. ومن شارك نفسه نفساً أخرى فإنه إن جن ليله خلا بها لا محالة، فتلك قصيدة في وصف العيون، وتلك ضحكةٌ خجلى في ربكة اللقاء الأول، وصمتٌ لطيف في ارتعاشة الحب الأولى، وتلك كذبةً يقصونها ليسلَّوا بعضهم بعضاً ويمضي ليله وليلهم سريعاً، وتمضي أيامهم هكذا بكل متعة.

إن في الليل روحاً سرمدية، لا يَسْتأنس بها إلا من خالف فيه قوانين النهار، وأظهر ولاءه لهذا المهيب، فهو فيه وحيدُ، لا يرافقه إلا كوب قهوةٍ أو شاي، وهو صامتٌ، فلا صوت سوى صوت الخارج، قليل الحركة، مسترخي، وكأنها طقوسٌ من ديانة اندثرت، هو ذاك من يجد تلك الروح.  ورب السماء الحسناء لم تكن الأقلام أكثر طواعيةً منها في الليل، ولم تستطاب قهوةٌ  كما في الليل، ولم تطرب الأنفس للحنٍ أو تميل لقصيدةٍ كما في الليل، ولا يَلذ المجروح لجرحه ويطببه كما يفعل في ليله، وكأنه لطفٌ خفي في هذا المسكين، بأن يكون ألمه أُنْسه في وحشة الفراق إن كان مفارق، وسلوته في البعد إن كان مغاضب، وعزاؤه في الموت إن كان مفجوع.

الليل عقيدةٌ لم تُعْلَن، أتباعها لا تراهم نهاراً، فإيمانهم يمنعهم ، ولذته كفتهم قبل ذلك. هم الحالمون، هم الفنانون، هم الشعراء، هم الأدباء هم الضحايا والمجروحين الذين نفاهم نهارهم إلى ليلهم ، فاعتنقوه عقيدةً يحيون بها، وفسحةً يحيون فيها..

 

————————————
شكراً لقراءتك .. ماجد

 

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.