في العشق والعشاق

“في حوار الرحيل، قالت لي بسخرية وحزن، ودلالٍ كسير:
– لست بعاشق، ولا ينبغي لرجلٍ مثلك ..
تبسمت والدموع قد غسلت وجهي وقلت:
– وما ينبغي لرجلٍ فيك من عشق، العشاق لا يسخرون من بعضهم!

ثم توليت من أمام الجدار، أكمل تصفيق يدي، حسرةً على ما أضعت قبل أن يتكرر هذا الحوار مع نفسي للمرة المليون بعد الألف، وقبل أن أمضي مجنوناً في شوارع مدينتي، أهذي بها، وليس في رأسي سوى اسمها وحديثها الأخير. ثيابي رثة، ورأسي أشعث أغبر، لا أحد يسأل من أنا، لأنهم يعرفون أني لست إلا عاشقٍ مجنون فقد صوابه إثر رحيلها، وطار عقله بطيران طائرتها نحو الغرب .. آهٍ لو أتقن الصراخ، فاصرخ حتى يفارقني ألمي أو ينقطع نفسي فأموت، أو أن أتقن حديثاً غير حديثها.. لقد نسيت هذا كله يوم رحلت، كقاربٍ على الشاطئ قد رسى، هاجت به الأمواج وقطعت مرساته وأبحرت به بعيداً إلى اللامكان”

 

كنت بسيارتي حينما مر من أمامي سامي المجنون، وأنا أنتظر دكاناً يفتح أبوابه الموصدة.. وللمرة الأولى تدمع عيناي لسامي، ولأول مرة قلبي يعتصر لأجل حاله، وقصته التي أعرفها منذ سنوات، مالذي حدث؟ هل اكتويت بذات النار دون أن أعلم؟ بيد أن الفرق، قاربي لا يزال على الشاطئ رغم الأمواج. أم أني نضجت وأصبح عقلي قادراً على استشعار واستحضار تلك المصارع وتلك القصص؟

الحوار الذي ابتدأت به كان على لسان حال سامي،و أجزم أن الرجل يعي ويعقل، لكن لا يستطيع أن يعبر، ربما تلك القدرة رحلت برحيلها، ربما أنه اكتفى بالفقد والجوى، والذكرى الجميلة أصدقاءاً له مخلصين، ورفقة مسلية بعيداً عن الناس..

آسفي لحالك يا سامي .. وآسفي لكل العشاق، أسفي لهم يوم أوقعتهم تلك القطع الخائنة من أجسادهم، قلوبهم التي جمحت، وتمردت، وأعلنت أن لا غالب اليوم إلا الحب، وأن لا يعمر قلبك بعد اليوم يا سامي إلا الهوى، وكأنهم بربرٌ همج، يصرخون مشرئبي الأعناق، ” الحب أو غيابة الجب” فإما أن تحب أو أن تغيب داخل روحك، وتتوه بين أضلاعك إلى الأبد، فلا موسىً يدلك إلى مصر الخلاص، ولا عصاه يضرب بها الصخر لأجل الماء .. هكذا تائه وهائم ، وعطشان مثل سامي !

لقد قرأت في مصارع العشاق كثيراً، ولم أحفل بها، أو أتعلم الدرس المطلوب، حتى رأيت سامي فأتت تلك القصص، الحديث منها والقديم، تلوح في الأفق من بعيد، كالمدد، مهللةً ومكبرة،  تصرخ بأسماء صرعاها وقتلاها، تحث عدوها نحوي. كيف لي أن لا أحفل وقد شهدت بنفسي مصارع رجالٍ أشاوس، ولكن هيهات فالقلوب خارج موازين القوة الجسدية..

دائما ما كانت تستفزني فكرة النجاة من العشق، لأني ببساطة لا أؤمن فيها، فالعشق حرب خاسرة لا منتصر فيها. وكأنك بها إذ ترتطم الصفوف، وتتكسر الرماح على أخشاب الدروع، ويُدهس الرجال بحوافر الخيول، حتى يفنى الرجال و تفر الخيول، و لا ترى في الأفق سوى رايتين متقابلتين، أن قد كان هنا بشر، أنهم فنوا، فامضي في طريقك ..

لا أحد ينجو من العشق، فأما إن تنكسر مثل سامي، أو أن تحيا بعاهات دائمة، حياةٌ أشبه بالموت، أومخاض متعسر يولد منه فنان أو شاعر أوموسيقار. فترسم مراسم عزاءك بنفسك في نفسك كل يوم، وترتب كراسي المعزين بشكل مختلف في كل مرة، وتلقي عليهم قصيدةً جريحة في الفقد والجوى، ثم تعزف لهم تلك الموسيقى الرقيقة المؤلمة حتى تجهز عليهم بالبكاء، فتغرق اللوحة بالدموع ، وتبدأ ألوان لوحتك السبعة تسيح على الأرض، وتختلط مع بعضها البعض حتى تبيض بياض الكفن، ثم تقوم وتصلي صلاة الغائب على روحك التي ماتت هناك، التي ماتت حيث رحلت الحبيبة .. في ذات أرض المعركة. وهكذا دواليك في كل مرةٍ أيها الفنان، العالم يقف مذهولاً أمام لوحاتك بلا حديث، وينتف شعره ثملاً أمام شعرك، ويبكون، ويتنهدون على موسيقاك .. وأنت لست إلا مُعزي لا تكترث لمتعتهم!

قلوبنا يا أصدقاء رقيقة، وجامحة، لا نعلم أين سترمينا من صهوتها، أعلى أرض الشاطئ الشاعرية؟  – وهي قليلاً ما تفعل- أم على الجبال و صخور الحَرة القاتلة؟ . رفقاً بقلوبكم ورفقاً بقلوب من أحببتم وأحبوكم، اكبحوها ما استطعتم إن علمتم استحالة السلامة والنجاة، فإما مصير سامي أو الفنان الذي يموت مرتين، يعزي نفسه، ويمتع العالم بفنٍ يعزيه، يكتبه بدمه من محبرة قلبه لا بالقلم..

———————————————-

شكراً لقرائتك

ماجد

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.