الصامتون

ضاقت بي الايام ذرعاً في وقتٍ مضى، ولم يعد لليل ولا للنهار أي قيمةٍ سوى وقتية، يتعقبان كعقارب الساعة .. يوم قد مضى، ويومٍ ينتحب، ورصيد عمرٍ يتناقص في غمرة تلك الضائقة. كربٌ شديد لا أستطيع البوح به ولا التعامل معه، فكنت كمن يحتمي من النار بالنار. ضاقت فلما استحكمت حلقاتها، لم تنفرج وظلت هكذا، محكمةً رباطها حول صدري. هي لم تنفرج ولا تزال، لكن قلبي قال لي: هناك رجلٌ في أقصى المدينة يتقن الاستماع كما لم تتقنه البشرية، ويعرف بحضوره فقط أن يسندك ويخفف من استحكام الحلقات، اذهب إليه فهو صديق مقرب لك، تعرفه ويعرفك رغم غرابة الصداقة الكامنة بينكم والتي لا يعرف لها مثيل. رفعت يدي المتعبة وبحثت عن رقمه، أو لعلي وجدته أمامي، هاتفته:

  • كيف حالك، مرني نبي نطلع ناخذ  قهوة ونمشي شوي.
  • وش اهنا !.
  • مافيه شي.
  • طيب يبي لي شويات، لا ترصني عند الباب زي دايم.
  • لا أنا واقف عند الباب، لا تتأخر تكفى.
  • طيب.

قفلت من هاتفه ورميته ليس ضجراً، بل كان أقرب إلى الكسل اللذي خلته مبرراً بسبب ما ألم بي حينها. وصل الصديق وركبت معه في سيارته غير المريحة، صمتُ برهةً من الزمن دون الحديث، وقد كنت صامتاً طول أيامي منذ تلقيت الخبر ولم أعد أعرفني كما كنت بوجهي الضاحك والساخر دوماً. ماجد من يعشق البهجة وإسعاد الآخرين لا يبدو في مزاج جيد اليوم، وكأن قناع المهرج سقط أخيراً ! .

استمر الصمت وطال دون أن يتحدث صديقي. هو يعلم أنني في ضيق ويعلم أنني اليوم فقط أحتاج أن أمضي وقتي صامتاً بحضرة صديق، وصوت المسجل رتيباً يعمل بكل هدوء ليضفي على الصمت صمتاً آخر. بعد تنهيدة طويله أطلقتها لم يشهدها صديقي منذ رسوبي لأول مرة في حياتي في إحدى مواد الجامعة، سألني بهدوءه المعتاد : وش السالفة؟ ، أخبرته بما ألم بي واقتضبت في التفاصيل وبعدها صمت، لكني لم استطيع أن أبقى صامتاً. هدوءه، وحسن إنصاته يغريانك بالبوح، ويدعيانك إلى إطلاق الحمم الغاضبة والأراء العاطفية، والأسباب الفاجرة منطقياً، وكل الشتائم المبتكرة والمخصصة لهكذا حدث دون خوف. و مهما عصف حديثك وارتفع صوتك تظل في حضرة صمته، كمتعبد غاضب، يحتج على القدر، في وسط كنيسة خالية من البشر يصرخ كالمجنون، لا يعود له سوى صدى الشتائم التي أطلقها منذ قليل وكأنها تسخر من غضبه، وتنتقد ردة فعله المنطقية، وتعريه أمام نفسه. تحدثت لمدة تزيد عن الساعة تخللتها مشاركاته الطفيفة والتي ليست إلا لإبقاء شعلة البوح متقدة ، كراعي أغنام أوقد ناراً يتسلى بها، يرمي بالاعواد فيها كل حين ليحافظ على سلوتها.

شكراً لك يا صديقي فصمتك رائع، وإنصاتك شافي. لقد صمتَ حينما تحدث الجميع، لينبروا في تسليتي رغم كرهي لها، ويعرضون الحلول المغلفة بالشفقة التي أعرفها مسبقاً

في احتدام المشكلة، وفي غمرة الحديث والبوح، وحينما يختارك صديقك ليشاركك الهم ويأتمنك على آلامه، لا تثقل كاهله بالحلول والاقتراحات فهو يريد الحديث فقط، يريد الغضب، يريد أن يوسع مساحة صدره الضيق بشكوى يبثها  إلى إنسان، لا تتحدث، استمع فقط ودع الحلول لحين أن يهدأ الاعصار ويسقط على الأرض الحطام المتطاير.

أعتقد أننا نحتاج في حياتنا إلى أصدقاءٍ كالمعابد نأوي إليهم لنصرخ ونحتج ونشتم كما يحلو لنا من دون الخوف، من دون الشفقة، و من دون تساليٍ تأتي بثياب عزاء كاظمة، لنخرج بعدها كالمتطهرين، وقد استودعناه سرنا والمشكلة. أصدقاؤنا الصامتون هم من أكبر الأنعم التي قادها الله لنا. قد يزعجنا جمودهم وبرودهم، قد يبتز شحهم بالمشاعر والكلام اللطيف آخر قطرة من صبرنا عليهم، ولكن يا عزيزي هل سمعت الملاجئ تتحدث ؟.

هم هكذا، يمنحونك الدفئ دون أن تبرد ويعطونك الأمان دون أن تصرخ مرتاعاً.. هم هكذا رائعون بصمت.

شكراً لكل الصامتين المنصتين في حياتنا.

————————————————

شكراً لقرائتك .. ماجد

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.