صورتين ..

بعد تسعة أشهر، كانت أمك قد حملتك فيها، ستولد وستطلق صرختك الأولى التي ستضايقك..

ثم ستكبر،وتحبو، وتمشي وتقلق أمك وأباك بكثرة الحركة وتعريض نفسك للمخاطر وستسقط ثم سيمنعونك من الحركة خوفاً عليك وسيضايقونك. ثم ستدرس درسك الأول في الأحرف العربية، والتي تبدو كرسومات أكثر أناقةً من خرابيشك في المنزل، وتجبر على كتابتها عشرات المرات لتتقنها، وستتضايق. ثم سيضربك ذلك الطفل الضخم من الفصل السادس دون أن تجد من يرد لك حقك، وتسكت ظلماً وقهراً، وستتضايق. ثم ستنهي تعليمك العام وتنضم إلى ركب الجامعيين، ورواد التعليم العالي، وسيهينك الاستاذ الجامعي بكل هدوء دون قدرتك على الرد خوفاً من سلطته، وستمر بليالي امتحانات عصيبة أشبه هي بالمخاض، وسترسب، وستتضايق. ثم ستتخرج والسعادة والفرح يغمرانك، ليداهمك التوجس بعدها حول مستقبلك الوظيفي، وستتضايق. وستمر ذات يوم بفتاة حسناء، وستبتسم لك، وقد ترد لها الابتسامة، وقد يتبعها الرقم، وقد يتبعها الاتصال، وسرعان ما تغرق يا صاحبي في بحر الحب، وتثمل بتلك المشاعر الآخاذة التي تجربها لأول مرة في حياتك البائسة منذ أن بدأت، ثم وبسرعة البرق ترتطم سفينة حبكم بصخرة عظيمة، تتحطم على عظمتها قصة جميلة قصيرة، والتي اختلف الشهود العيان في وصف الصخرة، فمنهم من قال الفارق الاجتماعي، ومنهم من قال النصيب، ومنهم من هم أن يقول قبيـ.. ثم صمت لرغبته الشديدة في الحياة. ثم ستقف يا صاحبي مشتتاً في وسط التيه، كمن استيقظ من نومه ووجد نفسه في صحراء جرداء، ووقف في وسط العاصفة لا يَرَى ولا يُرَى .. و أيضاً ستتضايق.

هل لاحظت معي أن الضائقة أمر مستمر مع حياتك، يكاد يكون هو فقط ما تحيا لتواجه ! دعني أحاول تركيب الصورة من جديد،

 

فصرختك الأولى، أعلنت أن صحتك بخير، وحينما كبرت وبدأت الحبو أسعدت والديك بنموك أمامهم صحيحاً ظريفاً لطيفاً، وحينما مشيت، وبدأت اللعب بمكعباتك الهندسية، أصبحت كتلة من الظرافة والسعادة تبثها أينما حللت،و حروفك العربية كانت هي أولى خطواتك لتثق بنفسك، وتتحدث أمام الناس، وأنك في الفسح تعلمت إحدى الخدع اللطيفة التي أبهرت فيها والدتك، وتعلمت فيها معنى المشاركة، ومعنى الصديق. وحينما انضميت إلى الجامعة، أصبحت رجلاً تستشار، لك استقلالك المادي، ولك رأيك الواضح في القضايا المحلية والدولية، و أنك انضممت لتخصص الهندسة الذي ما فتأ يفارقك منذ مكعباتك. وما إن تخرجت حتى أتيح لك الوقت الكافي للراحة والعودة لهواياتك قبل الانخراط في دوامة العمل التي لا تنتهي. وأن سفينة حبك تحطمت قبل أن تبني أسرة سعيدة ، ينهيها قاضي، بدعوى رفعها بعض ممن يرون أن العائلتين “غير متكافئتين” ، فمنعت كارثة أكبر وأعظم، والحب أعمى وما دمت ترى فأنت لم تحب بما فيه الكفاية.

 

هناك نظرتان لحياتك اختر واحدة، فأنا لم أقرر بعد!

 

——————————–

شكراً لقرائتك..ماجد

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.