السفر عبر الزمن ..

إنها الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً، الأول من شوال للعام 1437هـ، ديوان والدي.

ها أنا ذا وإخوتي نراجع الترتيبات الأخيرة لاستضافة وليمة العيد الأول لعائلتنا الكبيرة من أبناء العمومة وأحفاد جدنا الكبير. بدأ الضيوف بالتوافد مثنى وثلاث ورباع حتى امتلأ الديوان بالكامل. صدقوني إن الناس تغيرت، ولم تعد الدواوين والمجالس كما كانت، كلٌ قد التفت على من بجانبه يحادثه بصوت خافتٍ يتبادلون الابتسامات اللطيفة والضحكات المكتومة خوفاً من أن تفتضح قصتهم “العادية”. وقف والدي أمام الملأ مباركاً بالعيد وداعياً لهم بالجلوس إلى مائدة العيد في غرفة الطعام، وفي أثناء وقوفي بين أوساط الضيوف؛ طفقت أرحب بمن نهض، ومصراً على من رفض النهوض إلى المائدة ومداعباً لذلك الطفل الصغير، ومرحباً بالشيخ الكبير الذي سألني عن حال والدتي وصحتها وأجبته بما من الله عليها من صحة وعافية، ثم قال :

– كم عمرك الحين يا ماجد ؟

عمري 26 سنة يابو أحمد

– ووش تشتغل الحين ؟

-أبشرك إني طبيب الآن يا أبو أحمد

ثم قال: أنت؟! والتعجب يجتاح وجهه، ثم أكمل حديثه قائلاً: إيييييه يالدنيا، والله إني أخبرك بزرٍ تمشي وتطيح ما تفصح الكلام.

و مضى يتمتم متعجباً من سرعة الزمان، وبقيت أنا معلقاً، كياني المحسوس بقي في المجلس أما ذهني فقد سرقته الذكريات.

1419 هـ، بداية فصل الربيع، الهواء لطيف في كل الوقت والسماء، ناصعة وصافية كالياقوتة الزرقاء.

ها هو ذا في الظهيرة يلعب في ساحة الحرب التي خاضها ضد الأشرار وانتصر حينما شاهد مسلسل هزيم الرعد، يلعب في مدينته التي شيدها من الطين، ونصب عليها جنوده البلاستيكين ليأمنها من معلم الرياضيات الشرير، يلعب في سفينته التي بناها ليبحث عن الكنز المفقود مع جم وسيلفر من جزيرة الكنز، هاهوا ذا يلعب بمزرعة منزل جده الصغيرة المتاخمة للبيت بنخلها الفارع في الطول وأرضها الحمراء الجافة.

كان بودي لو أني لعبت معه مرة أخرى، لو أني حاربت معه ضد الأشرار، لو أني نبهته أن الربيع لا يخلو من الأمطار، كي لاتغرق مدينته وجنودها وتبقى عامرة، لو أني أخبرته أن سيلفر سيخون جم، كان بودي لو قلت: يا ماجد اختبئ من الناس حتى تكون بالغاً عاقلاً لا يعرف الناس لك ماضياً يحتقرونك فيه مهما علا شأنك لاحقاً، لو قلت له: يا ماجد لا تبكي على كرتك الضائعة، لو قلت له: يا ماجد لا تحزن على سوء أيامك الآن فغداً أجمل، صدقني!.

غرقت في الذكريات حتى ظننتني عدت فعلاً لولا أنني لم أكن أسمعني حينما خاطبتني و من دون مقدمات تلاشت الصورة شيئاً فشيئاً من أمامي، وعدت إلى المجلس الخالي من الضيوف، سكبت لنفسي كوباً من الشاي البارد، جلست ووضعت يدي على خدي متأملاً، وقلت بصوت عالي سمعه كل من كان في المجلس: ” فعلاً من عرفك صغير حقرك كبير” .

لم تؤذني كلمة أبو أحمد بقدر ما آذاني إدراكي المتأخر لكمية الاحتقار التي تضمرها النفوس البشرية لما يكبر معها من أفراد، أو شركات، أو حتى دول. كم من مشروع صغير بدأ ليسد الرمق ووصل إلى أن أصبح شركة كبيرة، والذي لا يزال أهل المدينة يحتقرون صاحبها ويحتقرون بداياته مهما بلغت نجاحاته. كم من دولة فتية -سنغافورة مثالاً- نهضت من تحت الرماد وبدون أية مؤهلات لتتفوق على دولٍ نفطية تزخر بالموارد، ولا يزال الناس يحتقرون بدايتها، ولا يزالون يتذكرون صورة رئيسها الذي بكى أمام العالم على الحال التي وصلت إليها بلاده بعد فصلها من ماليزيا والذي لا يلام عليه. ماحدث بيني وبين أبو أحمد ليس إلا تكراراً وبعثاً لذلك الطبع البشري البشع الذي يحتاج إلى تهذيب من الإنسان لنفسه وليس من أحدٍ آخر.

في الحقيقة ليس لدي أية فكرة أو خاتمة أقدمها لكم، سوى أن أخبركم أني أكملت كوب الشاي البارد متعجباً، دون خلاصة تذكر.

——————————–

شكراً لقرائتك..

ماجد

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.